الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
26
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
دوس ) . فقال : لا ، أنا ضامن ، فأسلمت ، ونحو ذلك ، فقد يكون منهم من استمرّ على ذبح بعض الذبائح على الأنصاب التي في قبائلهم على نيّة التداوي والانتشار ، فأراد اللّه تنبيههم وتأكيد تحريم ذلك وإشاعته . ولذلك ذكر في صدر هذه السورة وفي آخرها عند قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [ المائدة : 90 ] الآيات . وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ . الشأن في المعطف التناسب بين المتعاطفات ، فلا جرم أنّ هذا المعطوف من نوع المتعاطفات التي قبله ، وهي المحرّم أكلها . فالمراد هنا النهي عن أكل اللحم الذي يستقسمون عليه بالأزلام ، وهو لحم جزور الميسر لأنّه حاصل بالمقامرة ، فتكون السين والتاء في تَسْتَقْسِمُوا مزيدتين كما هما في قولهم : استجاب واستراب . والمعنى : وأن تقسموا اللحم بالأزلام . ومن الاستقسام بالأزلام ضرب آخر كانوا يفعلونه في الجاهلية يتطلّبون به معرفة عاقبة فعل يريدون فعله : هل هي النجاح والنفع أو هي خيبة وضرّ ؟ . وإذ قد كان لفظ الاستقسام يشمله فالوجه أن يكون مرادا من النهي أيضا ، على قاعدة استعمال المشترك في معنييه ، فتكون إرادته إدماجا وتكون السين والتاء للطلب ، أي طلب القسم . وطلب القسم - بالكسر - أي الحظّ من خير أو ضدّه ، أي طلب معرفته . كان العرب ، كغيرهم من المعاصرين ، مولعين بمعرفة الاطّلاع على ما سيقع من أحوالهم أو على ما خفي من الأمور المكتومة ، وكانوا يتوهّمون بأنّ الأصنام والجنّ يعلمون تلك المغيّبات فسوّلت سدنة الأصنام لهم طريقة يموّهون عليهم بها فجعلوا أزلاما . والأزلام جمع زلم - بفتحتين - ويقال له : قدح - بكسر القاف وسكون الدال - وهو عود سهم لا حديدة فيه . وكيفية استقسام الميسر : المقامرة على أجزاء جزور ينحرونه ويتقامرون على أجزائه ، وتلك عشرة سهام تقدّم الكلام عليها عند قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ الآية في سورة البقرة [ 219 ] . وكان مقتضى الظاهر أن يقال : وما استقسمتم عليه بالأزلام ، فغيّر الأسلوب وعدل إلى وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ، ليكون أشمل للنهي عن طريقتي الاستقسام كلتيهما ، وذلك إدماج بديع . وأشهر صور الاستقسام ثلاثة قداح : أحدها مكتوب عليه « أمرني ربّي » ، وربما كتبوا عليه « افعل » ويسمّونه الآمر . والآخر : مكتوب عليه « نهاني ربّي » ، أو « لا تفعل » ويسمّونه